السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

302

مختصر الميزان في تفسير القرآن

وأما قوله تعالى : وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ * فهو دعاؤهم في جهنم لكشف عذابها وتخفيفه عنهم ، ومن المعلوم أن الدعاء مع تحتم الحكم وفصل القضاء لا يتحقق بحقيقته فإن سؤال أن لا يبعث اللّه الخلق أو لا يعذب أهل جهنم فيها من اللّه سبحانه بمنزلة أن يسأل اللّه سبحانه أن لا يكون هو اللّه سبحانه فإن من لوازم معنى الألوهية أن يرجع إليه الخلق على حسب أعمالهم ، فلمثل هذه الأدعية صورة الدعاء فقط دون حقيقة معناها ، وأما لو تحقق الدعاء بحقيقته بأن يدعى حقيقة ويتعلق ذلك الدعاء باللّه حقيقة كما هو ظاهر قوله : « أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ » الآية ؛ فإن ذلك لا يرد البتة ، والدعاء على هذا النعت لا يدع الكافر كافرا ولو حين الدعاء كما قال تعالى : فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ ( العنكبوت / 65 ) . فما في قوله : « وَما دُعاءُ الْكافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ » * دعاء منهم وهم على الكفر فإن الثابت من ملكة الكفر لا يفارقهم في دار الجزاء وإن كان من الجائز أن يفارقهم في دار العمل بالتوبة والإيمان . فدعاؤهم لكشف العذاب عنهم يوم القيامة أو في جهنم ككذبهم على اللّه يوم القيامة بقولهم - كما حكى اللّه - واللّه ربنا ما كنا مشركين ، ولا ينفع اليوم كذب غير أنهم اعتادوا ذلك في الدنيا ورسخت رذيلتهم في نفوسهم فبرزت عنهم آثاره يوم تبلى السرائر ، ونظير أكلهم وشربهم وخصامهم في النار ، ولا غنى لهم في شيء من ذلك ، كما قال تعالى : تُسْقى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ ( الغاشية / 7 ) ، وقال تعالى : ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ لَآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ فَمالِؤُنَ مِنْهَا الْبُطُونَ فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ ( الواقعة / 55 ) ، وقال تعالى : إِنَّ ذلِكَ لَحَقٌّ تَخاصُمُ أَهْلِ النَّارِ ( ص / 64 ) ، فهذا كله من قبيل ظهور الملكات فيهم . وما قبل الآية يؤيد ما ذكرناه من أن دعاءهم ليس على حقيقته وهو قوله تعالى : وَقالَ